ياسر البهيجان يكتب: العمارة السلمانية والإرث العمراني الوطني


المصدر: الجزيرة

كان ولا يزال خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- رجل التاريخ والمرحلة في آن واحد؛ إذ إن اهتمامه بتاريخ وطنه وماضيه المجيد لم يكن اهتمامًا منفصلاً عن رؤية ذات أبعاد تجديدية، يفرضها التحول البشري؛ لذا ظل -أيده الله- متمسكًا بأصالة الماضي، ومؤمنًا بأنها أحد عوامل التقدم والازدهار، وليست معوقًا للتنمية والارتقاء.

ولعلنا نتناول جانبًا بارزًا من اهتمام خادم الحرمين الشريفين بالمواءمة بين التراث والتجديد، وذلك من خلال رؤيته العمرانية لهوية منطقة وسط الرياض المتمثلة بقصر الحكم والجامع الكبير وما يجاورهما من أسواق تاريخية وساحات عامة؛ إذ كان من المقرر أن تشهد تلك المنطقة تطويرًا يغير هويتها مطلع سبعينيات القرن الميلادي الماضي، بعد أن تقدم معماريون غربيون باقتراحاتهم لتحديث تلك المنطقة التاريخية، لكن الملك سلمان -حفظه الله- رفض تلك المقترحات، وأكد أن الحفاظ على هوية العمارة في المنطقة مبدأ لا يمكن المساس به، وأن الهوية هي جزء من تاريخ الوطن الذي يربط الأجيال الجديدة بإرث آبائهم، بما يحمله ذلك الإرث من انتصارات وأمجاد عسيرة على التجاوز.

كان موقف الملك سلمان تجاه الحفاظ على هوية عمران منطقة قصر الحكم سابقًا لتبني المعماريين توجهًا نحو العمارة الإقليمية، وتعزيز خصوصية الأمكنة، والإبقاء على امتدادها التاريخي كسمة مميزة لها، وهو ما يؤكد أن التاريخ لديه ليس مجرد أحداث وقعت في الزمن الماضي، وإنما هو قوة فاعلة، تشكل جوهر الوجود الإنساني، سواء في إدراك الإنسان لذاته ومعرفته بقيمتها، أو إدراكه للبيئة الأم من حوله وما تحمله من إرث وحضارة وأصالة.

قرار الملك سلمان الحكيم أنقذ إحدى أهم المناطق في المملكة من التشوه والاغتراب، وأسس لأنموذج اصطلح عدد من الباحثين على تسميته بالعمارة السلمانية، وهي تلك العمارة التي تبحث عن الجذور العمرانية للمنطقة؛ لتحافظ عليها، وتجعل من أنماط البناء التاريخية مرجعًا لإبراز الهوية والتفرد، ورابطًا بين الإنسان وماضيه الزاهر.

وبعد الموافقة السامية على تنظيم عمل هيئات تطوير المدن فإن النموذج السلماني في التخطيط والتشييد المتأسس على التراث بهويته الأصيلة لا بد أن يمثل أولوية، وألا نحيد عن ذلك المنهج، ولا ننساق خلف المقترحات التي يقدمها بعض الاستشاريين المعماريين المستقطبين في عدد من الهيئات بحجة التجديد والتغيير، وأن نظل متمسكين بالتنوع الخلاق بين مناطق مملكتنا، ونؤمن كما آمن قائد نهضتنا بأن تراثنا بجميع تفاصيله مفتاح لتنميتنا، ومصدر اعتزاز لمجتمعنا، والمساس به خط أحمر.



Source link

add

About the author